صديق الحسيني القنوجي البخاري
79
فتح البيان في مقاصد القرآن
يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ الإطفاء الإخماد ، وأصله في النار . واستعير لما يجري مجراها من الظهور ، والمراد بالنور القرآن أي يريدون إبطاله وتكذيبه بالقول ، قاله ابن زيد ، أو المراد الإسلام قاله السدي أو محمد صلى اللّه عليه وسلم ، يريدون هلاكه بالأراجيف قاله الضحاك ، أو الحجج والدلائل قاله ابن بحر ، فنور اللّه استعارة تصريحية والإطفاء ترشيح ، وقوله : بِأَفْواهِهِمْ فيه تورية وكذا قوله : نُورِهِ ، ولكن قوله : مُتِمُّ تجريد لا ترشيح ، أو المراد بالنور جميع ما ذكره ، ومعنى بأفواههم بأقوالهم الخارجة من أفواههم التي لا منشأ لها غير الأفواه ، دون الاعتقاد في القلوب ، المتضمنة للطعن ، مثلت حالهم بحال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه ، تهكما بهم وسخرية . قال ابن عطية : اللام في لِيُطْفِؤُا لام مؤكدة مزيدة دخلت على المفعول ، لأن التقدير يريدون أن يطفئوا ، وأكثر ما تلزم هذه اللام المفعول إذا تقدم كقولك : لزيد ضربت ولرؤيتك قصدت ، وقيل : هي لام العلة ، والمفعول محذوف ، أي يريدون إبطال القرآن ، أو دفع الإسلام ، أو هلاك الرسول ليطفئوا ، وقيل إنها بمعنى أن الناصبة ، وأنها ناصبة بنفسها ، قال الفراء : العرب تجعل لام كي في موضع أن في أراد وأمر ، وإليه ذهب الكسائي ، ومثل هذا قوله : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ . وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ بإظهاره في الآفاق وسائر في البلاد من المشارق إلى المغارب ، وإعلائه على غيره ، ومتم الحق ، ومبلغه غايته ، قرىء متم نوره بالإضافة سبعية وبتنوين وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ذلك فإنه كائن لا محالة . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى أي البيان الشافي بالقرآن أو المعجزات وَدِينِ الْحَقِّ أي الملة الحقة ، وهي ملة الإسلام لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ أي ليجعله ظاهرا على جميع الأديان المخالفة لها ، عاليا عليها ، غالبا لها ، قال الخطيب : فإن قيل : قال أولا : وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ، وقال ثانيا : وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، فما الحكمة في ذلك ؟ أيقول بأنه تعالى أرسل رسوله ، وهو من نعم اللّه تعالى ، والكافرون كلهم في كفران النعم سواء ، فلهذا قال : وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ، لأن لفظ الكافر أعم من لفظ المشرك ، فالمراد من الكافرين هنا اليهود والنصارى والمشركون ، فلفظ الكافر أعم من لفظ المشرك ، فالمراد من الكافرين هنا اليهود والنصارى والمشركون ، فلفظ الكافر أليق به ، وأما قوله : وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ، فذلك عند إنكارهم التوحيد ، وإصرارهم عليه ، لأنه صلى اللّه عليه وسلم في ابتداء الدعوة أمر بالتوحيد بلا إله إلا اللّه فلم يقولوا فلهذا قال : وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ذلك فإنه كائن لا محالة ، ولعمري لقد فعل فما بقي دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإسلام ، وقال مجاهد : ذلك إذا نزل عيسى ، لم يكن في الأرض دين إلا دين الإسلام ، والدين مصدر يعبر به عن الأديان المتعددة ، وجواب لو في الموضعين محذوف ، أي أتمه وأظهره ، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها . يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ الاستفهام إيجاب وإخبار في المعنى وذكر بلفظه